استراحة لغوية  من حكايات مولانا الشعراوي في تفسير القرآن.. تسمية جديدة لنوعي الجناس

د. احمد درويش
د. احمد درويش

بقلم  : د. احمد درويش

وأنا أقرأ تفسير مولانا الشيخ الشعراوي رحمه الله عليه في قوله تعالى: ﴿وَيَومَ تَقومُ السّاعَةُ يُقسِمُ المُجرِمونَ ما لَبِثوا غَيرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانوا يُؤفَكونَ﴾ 
ألفيته يقول :  "ﻭﻓﻲ اﻵﻳﺔ ﺟﻨﺎﺱ ﺗﺎﻡ ﺑﻴﻦ كلمة (اﻟﺴﺎﻋﺔ) اﻷﻭﻟﻰ، ﻭ(اﻟﺴﺎﻋﺔ) اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻓﺎﻟﻠﻔﻆ ﻭاﺣﺪ ﻟﻜﻦ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻣﺨﺘﻠﻒ {ﻭﻳﻮﻡ ﺗﻘﻮﻡ اﻟﺴﺎﻋﺔ ... } ﺃﻱ: اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ {ﻳﻘﺴﻢ اﻟﻤﺠﺮﻣﻮﻥ ﻣﺎ ﻟﺒﺜﻮا ﻏﻴﺮ ﺳﺎﻋﺔ ... } 
ﺃﻱ: ﻣﻦ اﻟﻮﻗﺖ، ﻭﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻗﻮﻝ اﻟﺸﺎﻋﺮ:
ﺭﺣﻠﺖ ﻋﻦ اﻟﺪﻳﺎﺭ ﻟﻜﻢ (ﺃﺳﻴﺮ) ... ﻭﻗﻠﺒﻲ ﻓﻲ ﻣﺤﺒﺘﻜﻢ (ﺃﺳﻴﺮ)
 "ثم يحكي موقفا له مع زميله  د.خفاجة، فيقول: "ﻭﻟﻲ ﺃﻧﺎ ﻭﺯﻣﻴﻠﻲ اﻟﺪﻛﺘﻮﺭ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﻤﻨﻌﻢ ﺧﻔﺎﺟﺔ - ﺃﻃﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺑﻘﺎءﻩ - ﻗﺼﺔ ﻣﻊ الجناس ، ﻓﻔﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﺣﺼﺺ اﻟﺒﻼﻏﺔ، ﻗﺎﻝ اﻷﺳﺘﺎﺫ: ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﺟﻨﺎﺱ ﺗﺎﻡ ﺇﻻ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﺑﻴﻦ (ﺳﺎﻋﺔ ﻭﺳﺎﻋﺔ)، ﻟﻜﻦ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻴﻪ ﺟﻨﺎﺱ ﻧﺎﻗﺺ، ﻓﺮﻓﻊ اﻟﺪﻛﺘﻮﺭ ﻣﺤﻤﺪ ﺃﺻﺒﻌﻪ ﻭﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﺳﺘﺎﺫ ﺃﻧﺎ ﻻ ﺃﺣﺐ ﺃﻥ ﻳﻘﺎﻝ: ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﺷﻲء ﻧﺎﻗﺺ،  ﻓﻀﺤﻚ اﻟﺸﻴﺦ ﻣﻨﻪ ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﺇﺫﻥ ﻣﺎﺫا ﻧﻘﻮﻝ ﻭﻗﺪ ﻗﺴﻢ ﺃﻫﻞ اﻟﺒﻼﻏﺔ الجناس  ﺇﻟﻰ ﺗﺎﻡ ﻭﻧﺎﻗﺺ... ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﻳﻞ ﻟﻛﻞ ﻫﻤﺰﺓ ﻟﻤﺰﺓ}  ﻓﺒﻴﻦ ﻫﻤﺰﺓ ﻭﻟﻤﺰﺓ ﺟﻨﺎﺱ ﻧﺎﻗﺺ؛ ﻷﻧﻬﻤﺎ اﺧﺘﻠﻔﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺮﻑ اﻷﻭﻝ..."
ثم يواصل مولانا الشعراوي: 
" ﺃﺫﻛﺮ ﺃﻥ اﻟﺸﻴﺦ ﺃﺷﺎﺭ ﺇﻟﻲ ﻭﻗﺎﻝ: ﻣﺎ ﺭﺃﻳﻚ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺻﺎﺣﺒﻚ؟ ﻓﻘﻠﺖ: ﻧﺴﻤﻴﻪ (ﺟﻨﺎﺱ ﻛﻞ، ﻭﺟﻨﺎﺱ ﺑﻌﺾ)، ﻳﻌﻨﻲ: ﺗﺘﻔﻖ اﻟﻜﻠﻤﺘﺎﻥ ﻓﻲ ﻛﻞ اﻟﺤﺮﻭﻑ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺑﻌﻀﻬﺎ، ﻭﺑﺬﻟﻚ ﻻ ﻧﻘﻮﻝ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ: ﺟﻨﺎﺱ ﻧﺎﻗﺺ" 
قلت:  وهذا لعمري... قبل كونه أدبا مع القرآن... إبداع في الفهم والعلم...  ولطف من المعلم المبدع الذي لم ينهر الطالب إنما وظف ما يسمونه التعلم بالأقران... 
وبعد فكلام الأستاذ الذي حصر الجناس التام في آية الروم ( ساعة وساعة)  غير محيط،  ففي القرآن آيات أخرى جاء فيها الجناس التام كقوله تعالى:  ﴿ يَكادُ سَنا بَرقِهِ يَذهَبُ بِالأَبصارِ۝يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهارَ إِنَّ في ذلِكَ لَعِبرَةً لِأُولِي الأَبصارِ﴾
فعندنا جناس تام بين لفظتي الأبصار والأبصار...  فالأولى بمعنى العين الباصرة،  والثانية بمعنى العقل والحكمة...
لله در علمائنا وطلابهم،  فعندي أن المعلم لم يلتفت لما قاله الشعراوي طوال حياته...  وهكذا فالطالب قد يعلم أستاذه،  والأستاذ الثبت الواثق بنفسه هو من يعطي للطالب مساحة حرية كافية كي يبدع ويبتكر...  إن وجدنا هذي النوعية من الطلاب...  
ويظل الأدب مع القرآن تاجا يزين به علماؤنا رؤوسهم..